صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
71
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )
في ذات الجسم يكون متقوما بها متقدما هي على الجسم وعلى ما يصدر عنه فإذا حقق الأمر هكذا فليس لأحد أن يرجع ويقول إذا كان اختصاص الأجسام بعوارضها وآثارها يحتاج إلى صور مخصوصة مختلفة يكون هي أسباب اختلاف الآثار فما سبب اختصاص تلك الأجسام بتلك الصور واختلافها بها بعد اشتراكها في الجسمية العامة لأنا نقول إن تلك الصور بوجوداتها أسباب لحصولات الجسمية المطلقة أنواعا مخصوصة وهوياتها الفائضة عن المبادي مقومات للأنواع بماهيتها الخاصة ولغفلة أكثر الناس عن هذا يتحيرون في فصول الأنواع المركبة بل البسيطة ويطلبون منشأ اختصاص الفصل كالناطق مثلا بحصة جنسه في النوع المخصوص كالإنسان مع كون الجنس أمرا واحدا في جميع الأنواع التي تحته ولا يعلمون أن الجنس من توابع الفصل ولوازمه المتأخرة عنه في الوجود والوجه الثالث أنه يجوز أن يكون للمفارق جهات مختلفة بها يختلف نسبته إلى الأجسام فيفيد لبعض الأجسام آثارا مخصوصة ولبعضها أثارا مخصوصة أخرى من غير حاجة إلى صورة نوعية أو يكون عدد المفارقات كثيرة حسب تكثر أنواع الأجسام كما ذهب إليه الأقدمون كأفلاطن ومن يحذو حذوه من معلميه وأستاديه كسقراط وأنباذقلس وفيثاغورس وأغاثاذيمون وغيرهم من أعاظم حكماء الفرس والمشرقيين والخسروانيين من أن لكل نوع طبيعي من الأجسام مدبرا عقليا ذا عناية بذلك النوع وهو الغاذي والنمي والمولد في الأجسام النامية لامتناع صدور هذه الأفاعيل من قوى بسيطة عديمة الشعور وفينا من نفوسنا وإلا لكان لنا شعور بها كما نقله عنهم شيخ الإشراق في كتبه والجواب أنا وإن ساعدناكم في إثبات المفارقات الكثيرة وأنها مباد فعالة في هذا العالم إلا أنا نعلم ضرورة أن مباشر هذه الأفعال سواء كانت على سبيل الاستقلال أو على وجه الوسائط أمور مقارنة للأجسام إذ لا شك أن النار محرقة والماء مبردة والأرض مجمدة والهواء مرطبة والفرس يعدو والشجر ينمو والحجر يهبط إلى غير ذلك من الأفاعيل المختلفة الصادرة عن الأجسام المختلفة والقول بأنها مما لا سببية لها في الإيجاد ولا في الإعداد مكابرة طريق آخر لإثبات هذه الصور وهي من جهة تقويمها للطبيعة الجسمية فإنها وإن كانت محصلة نوعية في العقل إلا أنها محتاجة في الوجود إلى محصلات ومقومات أخرى إذ محال أن يكون الجسم المركب من الهيولى والصورة الامتدادية أمرا قائما بالفعل لا يكون شيئا من الأنواع التي تحت الجسم المطلق فإذن مثل هذا الجسم يكون جنسا بوجه وإن لم يكن جنسا من كل وجه كما حقق في موضعه فيجب أن يقومه ويقسمه بالفعل شيء يجري مجرى الفصل وما يقومه بالفعل يجب أن يكون داخلا في قوامه موجودا وإن لم يكن داخلا في قوامه ماهية وهو جوهر فذلك المقوم جوهر وهو المسمى بالصورة النوعية والطبيعية فبين أنه لا يصح أن يكون الصورة الجسمية في الأجسام التي يتعاقب عليها الصور الطبيعية تماما لنوعيتها وإلا لكان يلزم أن يكون تلك الصور أعراضا لاحقة بعد تحصلها نوعا فيكون الأجسام كلها نوعا واحدا وهو محال ولا يجوز أن يتقوم الهيولى بالصورة الجسمية على الانفراد وبالصورة الطبيعية على الانفراد إذ تبين أن مادة واحدة بسيطة لا يجوز أن يقومها صورتان بل يجب أن يتقوم أولا الصورة الجسمية بالصورة الطبيعية فيتنوع ثم يقوم المادة والجسم هو معنى ثالث يتأحد من هذه الأمور الثلاثة تأحدا بالفعل لا بفرض فارض واتحاد الهيولى بالصورة ليس كاتحاد الجسم بالبياض فإن الجسم له وجود وقوام بالفعل إلا بالبياض ولا كذلك حال المادة من الصورة والاعتراض عليها من قبل شيعة الأقدمين بوجوه من الأبحاث الأول أن الاحتجاج على حاجة الجسم وافتقار المادة إلى المخصصات التي سميتموها صورا بلزومها للجسم وعدم جواز خلوه عنها غير منجح لأن استحالة الخلو لا يدل على الجوهرية وافتقار المحل إليها أليس لا ينفك الجسم عن مقدار ما وشكل ما وتحيز ما مع اعترافكم بعرضيتها ثم لو أوجب كون المخصصات مقومات الوجود لوجب كون مخصصات الطبيعة النوعية كالإنسان مثلا ومميزات أشخاصها مقومات لوجودها مع أن التقويم والتحصيل بها أقوى فكما سميتم مخصصات الجنس أنواعا صورا فهلا سميتم مخصصات النوع أشخاصا صورا إذ لا يصح تقرره دونها وفي هذا الموضع أبحاث مترادفة على طريق الأسئلة والأجوبة ذكرها شيخ الإشراق في كتبه تعصبا ونصرة للقائلين بعرضية الصور ونحن قد أوردنا في كتابنا الكبير المسمى بالأسفار ثم حققنا الحق وعينا الصواب ولكن طرحناها هاهنا مخافة الإطناب والذي نذكره الآن من تحقيق التفصي عما ذكره أن مخصصات الأجسام والمواد منها ما هي كمالات يستكمل بها المادة ويتوجه إليها الطبيعة من الوجود الأدنى لا جنس إلى الوجود الأقوى الأشرف ومنها ما هي لواحق غير كمالية لا يصح أن يكون غايات أخيرة ولا متوسطة بل يكاد أن يكون من اللوازم الضرورية